محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة للعالمين    

ترجمة من مقالة السيد حسن العطاس[1]

www.shiar-islam.com

 

طالت الفترة وساد الظلام في العالم وغاب النور والعلم، وخفتت الأصوات التي رفعها الأنبياء والمرسلون في عصورهم بالتوحيد النقي والدين الخالص في صيحات الجهل والضلالة التي صاح بها المحترفون والدجالون، وانطفأت المصابيح التي أوقدها أنبياء الله ورسله وخلفاؤهم من العواصف التي هبت حينا بعد حين.

وكذلك الأمر في جزيرة العرب، كان العرب -قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم- أمة انغمست في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل لكل بيت صنم خصوصي، وكان في جوف الكعبة –البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام لعبادة الله وحده- وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنما.

ساءت أخلاق العرب فأولعوا بالخمر والقمار، وبلغت بهم القساوة والحمية المزعومة إلى وأد البنات، وشاعت فيهم الغارة، وقطع الطريق على القوافل، وسقطت منزلة المرأة فكانت تورث كما يورث المتاع أو الدابة، ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الانفاق وخوف الفقر والإملاق.

وقد شاء الله تعالى أن يكون آخر شريعته إلى هذا العالم منزل في العرب ليتلقوا دعوة الإسلام، ثم يبلغوها إلى أبعد أنحاء العالم، لأن ألواح قلوبهم كانت صافية، لم تكتب عليها كتابات دقيقة عميقة يصعب محوها وإزالتها، شأن الروم والفرس وأهل الهند الذين كانوا يتيهون بعلومهم وآدابهم الراقية ومدانيتهم الزاهية، أما العرب فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خطتها يد الجهل والبداوة، ومن السهل الميسور محوها وغسلها ورسم نقوش جديدة مكانها.

بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته سرا لمدة ثلاث سنين، فأسلم من أسلم من زوجته وأصحابه إلى أن أمر بالدعوة جهرا بنزول قوله تعالى : (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) [الحجر:94]

مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله، وأوذي وابتلي في سبيل ذلك من قبل كفار قريش بلاء شديدا، ولم يقتصر إيذائهم وتعذيبهم على النبي بل على أصحابه الذين أسلموا، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة، ثم تعقبهم هؤلاء قريش، ولكنهم رجعوا منها صفر اليدين.

فلما لم تلق قريش نجاحا في صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة ، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب على: أن لا ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك، كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا، وتواثقوا على ذلك، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة.

وأقام بنو هاشم وبنو المطلب على ذلك حتى جهدوا من ضيق الحصار وأكلوا ورق السمر، وأطفالهم يتضاغون من الجوع حتى يسمع بكاؤهم من بعيد، ومكثوا على ذلك ثلاث سنوات، لا صل إليهم شيء إلا سرا ممن أراد صلتهم من قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، يدعو قومه ليلا ونهارا، وبنو هاشم صابرون محتسبون إلى أن أكلت الأرضة تلك الصحيفة –بقدرة الله تعالى- وبطل ما فيها.

ولم تقف قريش في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذلك الحد، بل تفننوا وقسوا في ذلك، فلم يرعوا فيه قرابة ولا رحما، وتخطوا حدود الإنسانية، ولما اشتد أذى قريش وانصرافهم عن الاسلام وزهدهم فيه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من أهلها.

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف، دعا أهلها إلى الله، فكان ردهم شر رد، واستهزأوا به صلى الله عليه وسلم، يسبونه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا رجليه، وفاض قلبه ولسانه بدعاء شكا فيه إلى الله ضعف قوته، وقلة حيلته، وهوانه على الناس واستعاذ بالله تعالى وبنصره وتأييده، فأرسل الله إليه ملك الجبال، يستأذنه في أن يطبق الجبلين اللذين بينهما الطائف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا.

وهكذا استمر الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته مهما ما لقيه في طريقها من عراقيل وفتن، وقد كان صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الثبات والصبر والتحمل على الآذى، إنه حقا لنبي الرحمة للعالمين مصداقا لقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء:107].

تلك قطعة قصيرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية، نبسطها بين يدي القارئ، لنقف لحظات نتأمل ونتدبر فيها مدى ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الحق وإجلاله ومدى حبه لأمته، إنه حقا قد أدى الأمانة ونصح الأمة ومحا الظلمة، اللهم صل وسلم على حبيبنا محمد وعلى أله وأصحابه أجمعين.


[1] المترجم: زهر الفتى، طالب الدراسات العليا للدكتورة، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، قسم دراسات القرآن والسنة.

 

 

>>>home