العدل في الإسلام

ترجمة من مقالة السيد حسن العطاس[1]

www.shiar-islam.com

 قد يعبر القرآن الكريم العدل تارة بلفظ القسط كقوله تعالى: (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) [الرحمن:9]، ومن أحد أسماء الله الحسنى هو القاسط بمعنى العادل، كما أن من سمات شريعة الإسلام هو اهتمامه البالغ بالعدالة ودعوة الناس إلى إقامتها حيث ما كانوا، وعلى سبيل المثال قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولوا على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) [النساء: 135]

تبين لنا هذه الآية أن إقامة العدل شيء لا بد منه لكل فرد من أفراد هذه الأمة في كل حال من الأحوال حتى على والديهم وأقربائهم بل حتى على أنفسهم، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في إقامة العدالة، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِى سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا (رواه البخاري)

من هنا نستطيع أن نقول أن المجتمع جسم روحه إقامة العدالة بينهم، إذ العدالة قوامهم ودعائمهم وبدونها كأن المجتمع جثة هامدة لا حركة فيها ولا فائدة ترجى منها.

وفي آية أخرى أكد القرآن الكريم إقامة العدل، ولا يجرنا بغضنا نحو قوم على ألا نعدل إليهم  لأن العدل أقرب إلى التقوى مصداقا لقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) [ المائدة: 8].

وقد أرسى الرسول صلى الله عليه وسلم دعائم المجتمع المسلم في المدينة المنورة والتي تتسم بالعدالة بعد أن كانوا أعداء فألف الله بين قلوبهم -بهذا الدين الحنيف- فأصبحوا إخوانا، فلما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، استمر الصحابة رضوان الله عليهم –باقتداء نبيهم صلى الله عليه وسلم- في بناء المجتمع المسلم حيث جعلوا العدالة من أهم دعائم مجتمعهم، واستمر الحال إلى عهد من بعدهم من التابعين، خصوصا في عهد عمر بن عبد العزيز، وقد يعم العدل واضمحل الشر في عهده حتى قيل أن المزكي لا يجد من له حق في تسليم الزكاة.

ولما حث الإسلام أمته بإقامة العدل، وفي نفس الوقت نهى الإسلام عن الظلم الذي هو عكس العدل حتى على الأعداء، لأن الظلم –كما رواه مسلم في الحديث الشريف- ظلمات يوم القيامة.

والمتتبع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد شواهد كثيرة على رفق النبي وحبه لأمته، ومن هذه الشواهد موقف صلى الله عليه وسلم أيام فتح مكة حيث نهى أصحابه من قتال الضعفاء من الأطفال والنساء وكبار السن ومن وضع سيفه تسليما بل حتى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم قتل الأشجار، ولما تم الفتح قام الرسول صلى الله عليه وسلم أمام الأسارى من قريش: "يا معشر قريش، ما ترون إني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء".  

والمتتبع للسير النبوية أيضا يجد أن عدالة النبي تظهر قبل بعثته، وذلك عند ما شجر أهل مكة فيمن له حق في رفع الحجر الأسود في مكانه عند بناء الكعبة، فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بوضع ردائه، فوضع الحجر الأسود في وسط الرداء، فأمر رئيس كل قبيلة بإمساك طرف الرداء، فرفعوا الرداء إلى أن وضع الحجر الأسود في مكانه، فزال الخلاف بهذا التحكيم النبيل.

من هنا يمكن أن نقول أنه إذا عم العدل في مجتمع ما سيعيش أفراده باطمئنان ورفاهية وسلام، وكذلك العكس أي إذا ذهب العدل من مجتمع ما سيعيش أفراده في اضطراب وشقاء وظلمات.


[1]  طالب لمرحلة الدكتوراة، قسم القرآن والسنة، جامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

 

>>home